(3)- اختيار الوقت المناسب للتوجيه

سلسلة: "الرسول ﷺ وتربية الناشئة"

كان النبي ﷺ يستثمر الأحداث اليومية التي تجمعه بالصغار في تعديل سلوكهم وغرس القيم في نفوسهم، ولم يؤخر البيان عن وقت حاجته يوما، فإذا وجد قلب الصغير، وحالته مهيأة لاستقبال النصيحة بطريقة مبتكرة غير تقليدية، فإنه يبادر حينئذ ببذلها له؛ بغرض تعليمه وتربيته، وهذا – بلا شك – سلوك إيجابي في التربية من شأنه أن يحدث أثرا في نفس الصغير، ويجعله متقبلا للنصح بانشراح صدر وطيب نفس، فيتأثر به بعد ذلك في جميع مراحل حياته؛ ولأجل ذلك كان يطبقه النبي ﷺ، وهو ما يسميه العلماء: التربية بالوقائع والأحداث.

في المقالة الثالثة من سلسلة: "الرسول صلى الله عليه وسلم في تربية الناشئة" التي ينشرها موقع اخبار مصر في إطار التعاون بين الهيئة الوطنية للإعلام ومركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية يبين د. أحمد شبل مدرس الحديث بجامعة الأزهر وعضو مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية الإسلوب الاسلامي الأمثل لتوجيه الصغار.

 

وقد بينوا معناها فقالوا: "يقصد بها استغلال مناسبة أو واقعة أو حدث معين لإعطاء قيمة معينة، بحيث تتحول فيها الكلمة إلى عمل بناء، أو إلى خلق فاضل، أو إلى تعديل السلوك على النحو الذي يحقق وجود الإنسان، حيث إن غرس القيم بالأسلوب العملي أدعى إلى الفهم، وأوقع في النفس، وأدعى إلى ثبات الأفكار والمعلومات والقيم؛ لأن هذا الأسلوب يجعل من العلم بالقيم سلوكا حقيقيا، ومن الأفكار مواقف وأحداثا".

ومن السنة النبوية مواقف تدل على استعمال النبي ﷺ أسلوب اختيار الوقت المناسب لتوجيه الصغار وغرس القيم الإيجابية في نفوسهم، ومن ذلك ما صح عنه ﷺ أن عمر بن أبي سلمة قال: "كنت غلاما في حجر رسول الله – يعني في تربيته ورعايته – وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي رسول الله ﷺ: يا غلام، سم الله، وكلْ بيمينك، وكلْ مما يليك، فما زالت تلك طعْمتي بعد".

وبالنظر في هذا الموقف نجد أنه قد اشتمل على ثلاثة أمور إيجابية قام بها النبي ﷺ:
أولها: جلوسه ﷺ مع الطفل يأكل معه، وهو ما يفيد التقرب من الطفل، والتلطف معه، ومشاركته في أمر محبوب له، وهذا يهيئه لاستقبال النصائح التربوية في صورة محببة، ويجعله حريصا على اغتنامها وتطبيقها، مع ملاحظة أن الأطفال قد يقع منهم أحيانا ما يقزز أثناء الأكل، غير أن النبي ﷺ – مع مكانته العظيمة – تواضع لذلك الطفل وتناول الطعام معه، فنتج عن ذلك قوة الامتزاج النفسي بين المربي والمتعلم، وهو ما يؤثر إيجابيا في نفس الطفل، ويجعله مهيأ لتقبل النصيحة بصدر واسع.

وثانيها: أنه ﷺ حين وقع من الطفل ما يخالف آداب الطعام، بادر على الفور إلى تعديل سلوكه، واستثمر اللحظة المناسبة لتوجيهه ولم يؤخر.

وثالثها: أنه ﷺ قبل توجيه النصيحة نادى الطفل بلفظ محبب يوقظ انتباهه ويهيئه لتلقي ما سيقال بعده بكل حب وترحاب، فقال له: يا غلام، كما في رواية البخاري ومسلم، وفي رواية أبي داود: ادْن بني، وفي رواية الترمذي: ادن يا بني.

فبهذه الوسائل الإيجابية التي استعملها النبي ﷺ في التربية، تعلم الصغير عمر بن أبي سلمة درسا لم ينسه طيلة حياته؛ إذ ظل محافظا على السلوك الصحيح في تناول الطعام والشراب كما علمه رسول الله ﷺ، ويدل على ذلك ما قاله في بعض روايات الحديث: فما زالت تلك طعْمتي، أي: صفة أكلي كذلك طيلة عمري.

وعليه، فإنه ينبغي على المربين أن يقتدوا بالنبي ﷺ في اختيار الوقت المناسب لتوجيه الأطفال بالرفق واللين، حتى يقبلوا عليهم وينقادوا لتوجيهاتهم، فينشئوا على القيم الراسخة والسلوك القويم.

Katen Doe

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

د. احمد شبل
احمد شبل
احمد شبل
احمد شبل
احمد شبل

المزيد من مقالات

بردية خوفو والسحرة

"إحكي يا تاريخ" سلسلة جديدة نبدأها في موقع اخبار مصر مع عدد من المتخصصين في التاريخ المصري نحكي فيها احداث...

الإعلام المستدام في زمن المنصات المتكاملة!

اصبحنا نعيش في عالمٍ يتسارع فيه تدفّق المعلومات وتتسع فيه الفضاءات المفتوحة بلا حدود وبات لا احد يملك الحقيقة بل...

كيف يكون البرلمان شريكا في التنمية واستقرار الوطن؟

تدخل الحياة النيابية في مصر مرحلة جديدة تتطلب قراءة دقيقة لدور البرلمان، لا بوصفه ساحة للمواجهة أو التنافس السياسي التقليدي،...

"المدجاي" عيون مصر الساهرة

بينما كانت حضارات العالم القديم تتخبط في صراعات بدائية، كانت أرض النيل تُرسي دعائم أول نظام شرطي وقضائي عرفته البشرية....